الشيخ محمد رشيد رضا
461
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( 139 : 139 ) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ( 140 : 140 ) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ، فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ، وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا بين اللّه لنا في هذه الآيات حال أناس من أصحاب الضلال البعيد - الذي ذكره في الآية التي قبلهن - آمنوا في الظاهر نفاقا أو تقليدا وكان الكفر قد استحوذ على قلوبهم فلم يدع فيها استعدادا لفهم الايمان فلذلك لم يعصمهم من الرجوع إلى الكفر مرة بعد أخرى ، لأنهم لم يعرفوا حقيقته ولا ذاقوا حلاوته ، ثم وعيد المنافقين كافة وبيان موالاتهم للكافرين وما بينهم من التناسب الذي يقتضي اشتراكهم في الوعيد وتحذير المؤمنين منهم فقال * * * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ذلك بأنه قد تبين من ذبذبتهم بين الايمان والكفر انه قد طبع على قلوبهم حتى فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الايمان وحقيته ومزاياه ، فهم بحسب سنة اللّه في خلقه لا يرجى لهم أن يهتدوا إلى سبيل من سبله ، ولا أن يغفر لهم ما دنس أرواحهم من ذنوبه ، وانما قلنا إن الآية مبينة لسنة اللّه تعالى في أمثالهم لان أرحم الراحمين واسع المغفرة لم يكن ليحرم أحدا من عباده المغفرة والهداية بمحض الخلق والمشيئة ، وانما مشيئته مقترنة بحكمته وقد قضت حكمته الأزلية بان يكون كسب البشر لعلومهم واعمالهم